أحمد زكي صفوت

362

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

250 - خطبة علىّ فيهم وقد عادوا إلى مواقفهم ولما رأى الإمام كرّم اللّه وجهه ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافّها ، وكشفت من بإزائها من عدوها ، حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم فقال : « إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم الطّغاة الجفاة ، وأعراب أهل الشأم ، وأنتم لهاميم « 1 » العرب ، والسّنام الأعظم ، وعمّار الليل بتلاوة القرآن ، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون ، فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكرّكم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولّى يوم الزحف دبره ، وكنتم من الهالكين ، ولكن هوّن وجدى ، وشفى بعض أحاح « 2 » نفسي ، أنّى رأيتكم بأخرة « 3 » حزتموهم كما حازوكم ، وأزلتموهم عن مصافّكم كما أزالوكم ، تحسّونهم « 4 » بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم « 5 » ، فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة ، وثبّتكم اللّه عزّ وجلّ باليقين ، وليعلم المنهزم أنه مسخط ربّه ، وموبق « 6 » نفسه ، إن في الفرار موجدة « 7 » اللّه عزّ وجلّ عليه ، والذّل اللازم له ، والعار الباقي ، واعتصار الفئ من يده ، وفساد العيش عليه ، وإن الفارّ لا يزيد الفرار في عمره ، ولا يرضى ربه ، فموت المرء محقّا قبل إتيان هذه الخصال ، خير من الرضا بالتّلبّس بها والإصرار عليه » . ( تاريخ الطبري 1306 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 488 )

--> ( 1 ) اللهمم ، واللهميم ( بكسر اللام والميم فيهما ) : السابق الجواد من الحيل والناس . ( 2 ) الأحاح : الغيظ وحرارة الغم . ( 3 ) يقال جاء أخرة وبأخرة محركتين وقد يضم أولهما أي آخرا . ( 4 ) من الحس بالفتح : وهو القتل والاستئصال . ( 5 ) العطاش : جمع أهيم وهيماء ( والهيام بالضم : أشد العطش ) . ( 6 ) مهلك . ( 7 ) أي غضبه .